نص بيان دي بورمون إلى سكان الجزائر
هذه مناداة من سار عسكر أمير الجيوش الفرنساويةإلى سكان الجزائر وأهالي القبائل(بسم الله المبدي المعيد وبه نستعين)يا أيها ساداتي القضاة والأشراف والعلماء وأكابر المشايخ والاختيارية، إقبلوا مني أكمل السلام وأشمل على اشراف قلبي بمزيد العز والاكرام، أما بعد اعلموا هداكم الله إلى الرشد والصواب سعادة سلطان فرانسه مخدومي وعزة جنابه الأعلى عز نصره، قد أنعم علي بتوليته أياي منصب سار عسكر ويا أعز أصدقائنا ومحبينا سكان الجزائر ومن ينتمي إليكم من شعب المغاربة أن الباشا حاكمكم من حيث تجرأ على بهدلة بيرق فرانسه المستحق كل اعتبار، وإقدام على إهانته فقد سبب بجهله هذا كل ما هو عتيد أن يحل بكم من الكوارث والمضرات لكونه دعى عليكم الحرب من قبلنا، فإن عزة اقتدار سلطان فرانسه دام ملكه نزع الله من قلبه ورأفته المعروفة المشهورة، فلا بد أن هذا الباشا حاكمكم من قلة بصيرته وعماوة قلبه قد جذب على نفسه الانتقام المهول، وقد دنا منه القدر المقدر عليه وعن قريب يحل به ما استحقه من العذاب المهين.أما أنتم يا شعب المغاربة، إعلموا أو تأكدوا يقينا أني لست آتيا لأجل محاربتكم، فعليكم أن لا تزالوا آمنين ومطمئنين وكل مالكم من الصنائع والحرف براحة سر. ثم إني أحقق لكم أنه ليس فينا من يريد يضركم لا في مالكم ولا في أعيالكم ومما أضمن لكم أن بلادكم وأراضيكم وبساتينكم وحوانيتكم وكل ماهو لكم صغيرا كان أو كبيرا يبقى على ما هو عليه ولا يتعرض لشيء من ذلك جميعه أحد من قومنا، بل يكون في أيديكم دائما، فامنوا بصدقي كلامي، ثم إننا نضمن لكم أيضا ونعدكم وعدا موكدا غير متغير ولا متأول أن جوامعكم ومساجدكم لا تزال معهودة معمورة على ما هي الآن عليه أو أكثر وأنه لا يتعرض لكم في أمور دينكم وعبادتكم فان حضورنا عندكم ليس هو لأجل محاربتكم وإنما قصدنا محاربة باشتكم الذي بدأ وأظهر علينا العداوة والبغضاء ومما لا يخفى عليكم غاية تحكمه وقبح طبعه المشؤم ولا ينبغي لنا أن نطلعكم على أخلاقه الذميمة وأعماله الرذيلة فنه واضح لديكم لأنه لا يسعى الا على خراب بلادكم ودثارها وتضيع أموالكم وأنفسكم ومن المعلوم أنه إنما يزيد أن يجعلكم من الفقراء المنحوسين المبهدلين الخاسرين أكثر من المسخط عليهم فمن أعجب الأمور كيف يغبى عنكم أن باشتكم لا يقصد الخير إلا لذاته والدليل كون أحسن العمارات والأراضي والخيل والسلاح واللبس والحلي وما أشبه ذلك كله من شأنه وحده.فيا أيها أحبابنا سكان المغرب انه عز وجل ما سمح بأن يصدر من باشتكم الظالم ما فعله من أعمال الخبث والردى الا انعاما منه سبحانه وتعالى عليكم حتى تحصلوا بهلاكه وبزوال سلطنته على كل خير ويفرج عنكم ما أنتم فيه من الغم والشدة واذ والحال هذه أسرعوا واغتنموا الفرصة ولا تعمى أبصاركم عما أشرفه الله عليكم من نور اليسر والخلاص ولا تغفلوا عما فيه مصلحتكم بل استيقظوا لكي تتركوا باشتكم هذا وتتبعوا شورنا الذي يؤول إلى خيركم وصلاحكم وتحققوا أنه تعالى لا يبغي قط ضرر خليقته بل يريد أن كل واحد براياه يجوز ما يخصه من وافر نعمه التي سبغها على سكان أرضهيا أيها أهل السلام ان كلامنا هذا صادر عن الحب الكامل وانه مشتمل على الصلح والمودة وأنتم اذا شيعتم مراسيلكم إلى أوردينا حينئذ نتكلم واياهم والمرجو من الله تعالى أن محادثتنا مع بعضنا بعض تؤول إلى ما فيه منافعكم وصلاحكم وعشمنا بالله أنكم بعد ما تحققتم أن مقاصدنا وغايتنا الفريدة ليست هي سوى خيركم ومنفعتكم تشيعوا لنا صحبة مراسيلكم كل ما يحتاج إليه عسكرنا المنصور من الذخائر ما بين طحين وسمن وزيت وعجول وغنم وخيل وشعير وما يشبه وحين وصلت مرسلاتكم هذه الينا فحالا ندفع الثمن فلوسا نقدية على ما تريدون وأكثر هذا واما أن كان منكم معاذ الله خلاف ذلك حتى تختاروا محاربتنا ومقاومتنا اعلموا ان كل ما يصيبكم من المكروه والشر انما يكون سببه من جهتكم فلا تلوموا الا أنفسكم فأيقنوا أنه ضد ارادتنا فليكون عندكم محققا ان عساكرنا المنصورة تحيط بكم بأبسر مرام ودون تعب وان الله يسلطها عليكم فانه تعالى كما أنه يأمر من يجعل لهم النصر والظفر بالرحمة والمسامحة على الضعفاء المظلومين فكذلك يحكم بأشد العذاب على المفسدين في الأرض العائثين على البلاد والعباد فلا بد إنكم إن تعرضتم لنا بالعداوة والشر هلكتم عن آخركم.هذا أيها السادة ما بدا لي أن أكلمكم به فهو نصيحة مني إليكم وايقنوا يقينا مؤكدا أن كلام سلطاننا المنصور المحفوظ من الله تعالى غير ممكن تغييره لأنه مقدر والمقدر لا بد أن يكون، والسلام على من سمع وأطاع.
أبحاث وآراء في تاريخ الجزاءر للدكتور أبو القاسم سعد الله، الجزء الأول، ص (277-280)
أولا - مرحلة تقديم الوثيقة
- طبيعة الوثيقة: وثيقة تاريخية في شكل بيان سياسي (نداء)
- مصدرها: رسمي، مأخوذة من كتاب أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر للدكتور أبو القاسم سعد الله، الجزء الأول، ص (277-280).
- التعريف بصاحبها: كتبه باللغة العربية، بتكليف من الجنرال دي بورمون، الكونت والعقيد كليرمونت تونير (Clermont TONNERRE)، وهو أحد أبرز القادة العسكريين وصناع القرار في وزارة الحربية الفرنسية، لعب دوراً محورياً في التخطيط والتحضير لـلاحتلال الفرنسي للجزائر. تمت صياغته باللسان الدارج (اللهجة المستعملة في شمال إفريقيا) وتنقيحه من طرف المستشرق البارون أنطوان إيزاك سيلفستر دي ساسي (Antoine-Isaac Silvestre de Sacy) بمساعدة المترجم السوري الأصل الكاهن جون شارل زكار (Jean Charles ZAKKAR) والمترجم توماس كزافييه بيانشي (Thomas-Xavier BIANCHI). ختمه الجنرال الفرنسي لويس فكتور أوغست دي بورمون (1773 - 1846م) الذي عينه شارل العاشر وزيرا للدفاع في 1829م وأوكل له قيادة الحملة التأديبية الفرنسية ضد الداي حسين، وقع مع هذا الأخير معاهدة الاستسلام في 5 جويلية 1830 م إثر انتصاره في معركة اسطاوالي. بعد النجاح الذي حققه تمت ترقيته إلى رتبة مارشال في 24 جويلية 1830م، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلا فبعد سقوط عهد شارل العاشر رفض دي بورمون إعلان الولاء للملك لويس فيليب وحاول الثورة ضده فتم عزله ومصادرة رتبه في 12 أوت 1830 م ليغادر الجزائر نحو منفاه في إسبانيا. عاد إلى فرنسا عام 1845 م ومكث في قصره بباريس إلى أن توفي.
- الإطار الزماني والمكاني: 5 جويلية 1830 م، بسيدي فرج بالجزائر العاصمة
ثانيا - مرحلة تحليل الوثيقة
- الفكرة العامة: محاولة دي بورمون استمالة سكان الجزائر وكسب استعطافهم لمباركة الحملة الفرنسية
- الأفكار الجزئية:
تبرير الغزو الفرنسي بإهانة الداي حسين للبيرق وتحميله مسؤولية الحرب
ف 2: [أما أنتم يا شعب المغاربة................أموالكم وأنفسكم]
تقديم الوعود والضمانات الزائفة لإغراء واستمالة السكان
ف 3: [فيا أيها أحبابنا ....................... على سكان أرضه]
تشويه صورة الداي لعزل السلطة عن الشعب وزرع الفتنة
ف 4: [فيا أيها أحبابنا ....................... على سكان أرضه]
تأمين لتموين العسكر الفرنسي مقابل عهود مالية زائفة
ف 5: [يا أيها أهل السلام........................من سمع وأطاع]
دعوة الجزائريين للاستسلام وتحذيرهم من عواقب المقاومة
- شرح المصطلحات:
سار عسكر: كلمة تركية تعني القائد العام للجيش أو وزير الحربية
المشايخ والاختيارية: هم كبار السن وأعيان البلاد ووجهاؤها
سلطان فرانسه: الملك شارل العاشر
بيرق فرانسه: علم فرنسا أوراية فرنسا
براحة سر: براحة بال وبأمان وطمأنينة كاملة
أوردينا: كلمة مشتقة من الفرنسية (Ordonner) وتعني أمرنا، أو أصدرنا أمرا رسميا مطاعا.
تتبعوا شورنا: تتبعون رأينا وتطيعون مشورتنا
بأسر مرام: بأسهل طريقة ودون تعب
- طرح الإشكالية: ما هي الأهداف الحقيقية والخلفيات الخفية التي كان يسعى إليها دي بورمون من خلال هذا البيان؟ وإلى أي مدى التزمت فرنسا بالعهود والضمانات التي قطعتها على نفسها بعد سقوط العاصمة؟
- شرح المضمون: هذه الوثيقة هي أول بيان وجهته الحكومة الفرنسية إلى سكان الجزائر وأعيانها من قضاة وعلماء ومشايخ واختيارية، وكانت قد أعدته وزارة حربيتها أسابيع قبل انطلاق الحملة العسكرية من ميناء طولون، وقد أمر دي بورمون جنوده بعد الإنزال العسكري بسيدي فرج بتوزيع البيان على أهالي العاصمة لمخاطبتهم من خلاله، بغية إقناعهم بأن الجيش الفرنسي لم يأت لمحاربتهم، وإنما جاء لتأديب الداي حسين الذي أقدم على إهانة شرف الدولة الفرنسية، وأيضا لتخليصهم من حكم الباشا الفاسد وطرد الأتراك من الجزائر. وقد تعهد بعدم المساس بممتلكاتهم، وعدم التعرض لأعراضهم، واحترام مقدساتهم، مؤكدا حقهم في إقامة شعائرهم الدينية بكل حرية. كما صور لهم أن الجيش الفرنسي هو الخلاص والنجاة من الواقع الاجتماعي الذي يعيشه سكان المغرب عامة، والجزائر خاصة، بينما هددهم من جهة أخرى بالويلات التي قد تلحق بهم إذا حاولوا مقاومة القوات الفرنسية أوالانضمام لجيش الداي.
ثالثا - مرحلة الاستنتاج
يعتبر هذا البيان وثيقة تاريخية هامة، تكشف زيف نوايا الاستعمار الفرنسي وخبث سياسته، فهو يحتوي على تعهدات قطعها دي بورمون على نفسه بغية استمالة وكسب استعطاف سكان الجزائر لتثبيط (إيقاف) مقاومتهم، حتى يحافظ على أرواح جنوده وميزانية جيشه. وجاء البيان مخاطبا أعيان الجزائر لدراية فرنسا التامة بمكانة هؤلاء وسط المجتمع الجزائري وما لهم من أتباع ونفوذ. فهو بمثابة حرب نفسية ودعائية مارستها فرنسا بخطة محكومة ومدروسة تمهيدا لحملتها العسكرية، في محاولة منها لخلق هوة بين الشعب والسلطة، حتى لا تتكاثف الجهود لصد الاحتلال. وغلب على هذا البيان الطابع الديني من أجل التأثير على عاطفة الجزائريين واستدراجهم من هذا الجانب (الجانب الديني)، الذي يمثل أساس معتقداتهم ومنطلق توجهاتهم.
غير أن هذه العهود الاستعطافية لم تكن في الحقيقة سوى حبر على ورق، فالأيام الموالية للحملة كانت كفيلة بكشف كذب فرنسا وادعاءاتها، حيث خرقت البنود المذكورة، وقام جيشها بانتهاك الحرمات ونهب الممتلكات والاستيلاء على الأراضي، الخاص منها والعام، وأباح دماء الأبرياء باسم الحضارة والتمدن، ولم يحترم المقدسات لتتجسد الروح الصليبية من خلال هدم بعض المساجد، وتحويل البعض الآخر إلى كنائس وثكنات عسكرية، وغلق الكثير من المدارس القرآنية.
%20(2).png)
إرسال تعليق