U3F1ZWV6ZTUwODMyOTQ0MzU0NDEzX0ZyZWUzMjA2OTgxNjg2NzMzNg==

دراسة معاهدة دي ميشال


نص معاهدة دي ميشال



إن القائد العام للقوات الفرنسية في مدينة وهران وأمير المؤمنين سيدي الحاج عبد القادر بن محي الدين، قررا العمل بالشروط التالية:

المادة الأولى - إن الحرب بين الفرنسيين والعرب ستتوقف منذ اليوم. وإن القائد العام للقوات الفرنسية والأمير عبد القادر لن يدخرا وسعا في الحفاظ على ذلك الاتحاد والصداقة التي يجب أن تكون بين شعبين حكم عليهما القدر أن يعيشا تحت نفس السلطة. ولهذا الغرض سيقيم ممثلو الأمير في وهران ومستغانم وأرزيو. ولمنع الصدام بين الفرنسيين والعرب سيقيم الضباط الفرنسيون في مدينة معسكر.

المادة الثانية - إن دين وعادات العرب ستكون محل احترام.

المادة الثالثة - كل المساجين سيطلق سراحهم حالا من الجانبين.

المادة الرابعة - حرية التجارة ستكون كاملة وشاملة.

المادة الخامسة - ان العسكريين الفرنسيين الفارين سيعيدهم العرب. ونفس الموقف سيتخذ إزاء كل العرب المجرمين الذين يفرون من قبائلهم إلى الفرنسيين تفاديا للعقاب. فهؤلاء سيقبض عليهم في الحال ويسلمون إلى ممثلي الأمير في المدن البحرية الثلاث التي يحتلها الفرنسيون.

المادة السادسة - كل أوربي سيعطى، إذا رغب في السفر داخل البلاد، جواز سفر موقعا عليه من ممثلي الأمير ومصدقا عليه من القائد العام، حتى يجدوا المساعدة والحماية في كامل الإقليم.
حياة الأمير عبد القادر لشارل هنري تشرشل، ترجمة الدكتور أبو القاسم سعد الله، الدار التونسية للنشر، تونس، 1974، ص
 (78- 79)

أولا - مرحلة تقديم الوثيقة 

  • تحديد طبيعة الوثيقة: وثيقة تاريخية في شكل معاهدة دبلوماسية 
  • تحديد مصدرها: رسمي، مأخوذة من كتاب حياة الأمير عبد القادر لشارل هنري تشرشل، ترجمة الدكتور أبو القاسم سعد الله، ص (78 - 79). 
  • التعريف بصاحبها: 
الطرف الأول: هو الأمير عبد القادر بن محي الدين الحسني (1808 - 1883م)،  مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة وقائد المقاومة المسلحة في الغرب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي. بويع بالإمارة عام 1832م، وتميز بفصاحته الأدبية وبعبقريته العسكرية والسياسية، حيث خاض معارك طاحنة ضد فرنسا أجبرها من خلالها على توقيع معاهدات دبلوماسية ندية. قام ببناء جيش منظم، وأنشأ مصانع للأسلحة، ووحد القبائل، واستمر في كفاحه حتى عام 1847م، ليقضي بقية حياته في المنفى بدمشق حيث وافته المنية أين دفن أول الأمر، وفي عام 1966م، أُعيد نقل جثمانه الطاهر إلى الجزائر، ليوارى الثرى في مربع الشهداء بمقبرة العالية.
الطرف الثاني: هو  الجنرال لويس ألكسيس دي ميشال (Louis Alexis DEMICHELS) (1845 - 1779م)، ضابط سام وجنرال محنك في جيش الاحتلال الفرنسي، عين قائدا عسكريا عاما لإقليم ومدينة وهران بالغرب الجزائري عام 1833م. ورغم نجاحاته الميدانية الأولى، فإنه اضطر تحت وطأة ضربات المقاومة والحصار الاقتصادي الصارم إلى فتح قنوات تفاوض مع الأمير عبد القادر، أسفرت عن توقيع معاهدة السلام الشهيرة باسمه في 26 فيفري 1834م، والتي اعترفت بسلطة الأمير وسيادته. اعتبرت باريس معاهدته خطأ استراتيجيا وتنازلا مؤسفا يمنح الشرعية لكيان جزائري مستقل، مما أدى إلى استدعائه وعزله من منصبه في جوان 1835م ونقض المعاهدة، ورغم ذلك حافظ على مكانته العسكرية في فرنسا ورُقّي لاحقاً إلى رتبة جنرال ملازم (فريق) وعين مفتشاً عاماً للفرسان حتى وفاته.
  • الإطار الزماني والمكاني: 26 فيفري 1834 م، بمدينة وهران. 

ثانيا - مرحلة تحليل الوثيقة


  • الفكرة العامة: اعتراف فرنسا بسيادة الأمير عبد القادر على الغرب الجزائري مقابل هدنة عسكرية واقتصادية مؤقتة.

  • الأفكار الجزئية: 
ف 1: [إن القائد العام....................... في مدينة معسكر]
إقرار الهدنة العسكرية بين الطرفين وتبادل الممثلين الدبلوماسيين لضمان السلم.
ف 2: [إن دين................................... محل احترام]
التزام الاحتلال الفرنسي باحترام المقومات الدينية والثقافية للجزائريين
ف 3: [كل المساجين...........................كاملة وشاملة]
تصفية ملف أسرى الحرب ورفع الحصار لإنعاش حركية التجارة الحرة بين الجانبين
ف 4: [إن العسكريين............................كامل الإقليم]
تأطير التعاون الأمني المشترك، وتقنين تحركات الرعايا الأوروبيين بنظام جوازات السفر.


  • شرح المصطلحات:

أمير المؤمنين: لقب ديني وسياسي يحمل دلالة السيادة والقيادة العليا، أطلق على الأمير عبد القادر بعد مبايعته، ويعني أنه الحاكم الشرعي المطاع والمسؤول عن إدارة شؤون البلاد والدفاع عن الدين والوطن.
القدر أن يعيشا تحت نفس السلطة: عبارة سياسية صاغها الجانب الفرنسي بخبث؛ تلمح إلى فرض السيادة الفرنسية كأمر واقع في المنطقة، بينما اعتبرها الأمير مجرد اعتراف بوجود فرنسي مؤقت مقتصر على الحواضر الساحلية فقط. 
ممثلو الأمير (الوكلاء): هم مبعوثون دبلوماسيون (بمثابة قناصل) يعينهم الأمير عبد القادر للإقامة داخل المدن التي تحتلها فرنسا (وهران، مستغانم، أرزيو)؛ ومهمتهم إدارة شؤون التجارة، وفصل النزاعات القضائية للأهالي، ومراقبة تطبيق المعاهدة.
المدن البحرية الثلاث: يقصد بها الموانئ الإستراتيجية في الغرب الجزائري وهي: وهران، ومستغانم، وأرزيو؛ والتي عجز الأمير عن تحريرها فبقيت تحت السيطرة العسكرية الفرنسية بموجب الاتفاق.
إطلاق سراح المساجين (تبادل الأسرى): إجراء عسكري وإنساني يقضي بالإفراج الفوري عن الجنود والمقاومين المعتقلين لدى الطرفين غداة توقيع الهدنة لإنهاء مظهر من مظاهر الحرب.
حرية التجارة كاملة وشاملة: إلغاء الحصار الاقتصادي وفتح الأسواق والمعابر برّاً وبحراً؛ مما يسمح بتنقل البضائع والمواشي والمؤون بحرية بين المناطق الخاضعة للأمير وتلك التي يحتلها الفرنسيون.
العسكريين الفرنسيين الفارين: الجنود والضباط التابعون لجيش الاحتلال الفرنسي الذين يهربون من معسكراتهم وينضمون إلى صفوف الجزائريين (سواءً لإعلان إسلامهم أو هرباً من قسوة الخدمة العسكرية)، والذين اشترطت فرنسا إعادتهم إليها.
العرب المجرمين: يقصد بهم الأفراد الذين يرتكبون جنايات أو يخرجون عن قانون دولة الأمير ويفرون نحو مناطق السيطرة الفرنسية للاحتماء بها؛ ونصت المعاهدة على تسليمهم لسلطة الأمير لتطبيق العدالة عليهم.
جواز سفر: وثيقة رسمية قانونية تمنح للأوروبيين الراغبين في التنقل داخل أقاليم دولة الأمير، وتكمن أهميتها في أنها صك اعتراف فرنسي صريح بالسيادة الأرضية والأمنية للأمير عبد القادر على كامل إقليم الغرب والداخل الجزائري


  • طرح الإشكالية: من كان المستفيد الحقيقي من بنود معاهدة دي ميشال؟ وهل مثلت انتصارا سياديا للأمير عبد القادر أم طوق نجاة تكتيكيا للاحتلال الفرنسي؟


  • شرح المضمون: هذه المعاهدة هي أول  اتفاقية هدنة وصلح دبلوماسي انتزعتها المقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر من المحتل الفرنسي، إذ وقعها الجنرال دي ميشال، حاكم وهران أنذاك، مضطرا بعد حصار اقتصادي صارم فرضه الأمير عبد القادر، قطع بموجبه المؤونة عن القوات الفرنسية في المدن الساحلية، وشل حركتها العسكرية، ما جعلها تعجز عن التمدد في العمق الجزائري. وتضمنت المعاهدة ستة بنود أساسية نصت في مقدمتها على الوقف الفوري للقتال، وتبادل الأسرى بين الطرفين دون قيد أو شرط، فضلا عن إلزام الطرف الفرنسي باحترام الدين الإسلامي، والمساجد، وكذا العادات والتقاليد الجزائرية في المناطق الخاضعة لنفوذه. وبموجب هذا الاتفاق، حصر الوجود الفرنسي في شريط ساحلي ضيق يضم: وهران، ومستغانم، وأرزيو، مقابل اعتراف صريح بسيادة الأمير على كامل الإقليم الوهراني والمناطق الداخلية. من جهة أخرى، منحت المعاهدة الجزائريين حرية التجارة والتحكم في حركتي التصدير والاستيراد، مع اعتماد ميناء أرزيو منفذا تجاريا رئيسيا تحت إشراف دولة الأمير. كما حظرت على الأوروبيين والفرنسيين التنقل داخل أراضي الأمير إلا بموجب رخصة مرور (تأشيرة) موقعة ومختومة من وكلائه. وأخيراً، نصت الاتفاقية على تعيين الأمير ممثلين رسميين (قناصل) في المدن الساحلية الخاضعة لفرنسا، لمراقبة تطبيق البنود وحماية مصالح الجزائريين.


ثالثا - مرحلة الاستنتاج

تعتبر معاهدة دي ميشال وثيقة تاريخية هامة، عكست بوضوح المجهود الفكري والسياسي والأداء الدبلوماسي الرفيع الذي بذله الأمير عبد القادر في مشروع بناء الدولة وتحرير الجزائر. فقد مثلت هذه المعاهدة انتصارا استراتيجيا للدبلوماسية الجزائرية، إذ استطاع الأمير بحنكته السياسية أن يفرض نفسه ندا لدولة كبرى مثل فرنسا وأن يجبر الجنرال دي ميشال على التنازل والاعتراف بسيادته الكاملة على الإقليم الوهراني والمناطق الداخلية. وقد حققت المعاهدة مكاسب إستراتيجية ثمينة لكلا الطرفين:

  • فبالنسبة إلى الأمير عبد القادر، فقد استغل فترة الهدنة ووقف القتال لإعادة تنظيم شؤون إمارته، وتوحيد القبائل، وبناء جيش نظامي قوي وتوسيع نفوذه، إلى جانب تحقيق امتيازات اقتصادية كحق استخدام ميناء أرزيو للتجارة الحرة، وفرض السيادة والقوانين الإسلامية في مناطق نفوذه. 
  • وفي المقابل، جنى الاحتلال الفرنسي مكاسب حيوية عاجلة، إذ مكنته المعاهدة من تقليص نفقات الحرب، وتخفيف الضغط العسكري ووقف ضربات المقاومة الموجعة، وفك الحصار الاقتصادي الخانق الذي فرضه الأمير على المراكز الساحلية، الأمر الذي سمح بتدفق المؤن والسلع الأساسية لقواته، فضلاً عن استرداد الأسرى الفرنسيين، والتفرغ المؤقت لتأمين وترتيب الجبهات الأخرى في الجزائر.

لكن سرعان ما أثارت دوائر القرار في باريس حول المعاهدة ضجة ومعارضة شديدة، إذ اعتبرتها تنازلا مفرطا يعزز مكانة الأمير كدولة مستقلة، بعد أن استطاع تحويل المقاومة الشعبية من مجرد انتفاضة قبائل إلى دولة ذات سيادة، الأمر الذي عجل بنقضها وعزل الجنرال دي ميشال في جوان 1835 م، ليشتعل فتيل الحرب مجددا بين الأمير والقوات الفرنسية. 


الجنرال دي ميشال - معاهدة دي ميشال



 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة